أحمد بن محمد المقري التلمساني
163
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
جماعة من الغزاة يؤدّون شهادة ، فسمع القاضي منهم ، وقال لهم : هل ثمّ من يعرفكم ؟ فقالوا : نعم ، يعرفنا علي الصباغ ، فقال القاضي : أتعرفهم يا أبا الحسن ؟ فقال له : نعم يا سيدي ، معرفة محمد بن « 1 » يزيد ، فما أنكر عليه شيئا بل قال لهم : عرف الفقيه أبو الحسن ما عنده ، فانظروا من يعرف معه رسم حالكم ، فانصرفوا راضين ، ولم يرتهن والدي في شيء من حالهم ، ولا كشف القاضي لهم ستر القضية . قال محمد بن علي بن الصباغ : أمّا قول والدي « معرفة محمد بن يزيد » فإشارة إلى قول الشاعر « 2 » : [ الوافر ] أسائل عن ثمالة كلّ حيّ * فكلّهم يقول وما ثماله فقلت محمد بن يزيد منهم * فقالوا الآن زدت بهم جهاله فتفطّن القاضي ، رحمه اللّه تعالى ، لجودة ذكائه إلى أنه لم يرتهن في شيء من معرفتهم ، ممتنعا من إظهار ذلك بلفظه الصريح ، فكنى واكتفى بذكاء القاضي الصحيح ، رحمهما اللّه تعالى ! انتهى . ومن فوائد الشريف ما حكاه عنه تلميذه الإمام النّظّار أبو إسحاق الشاطبي رحمه اللّه تعالى ! ونصّه : قال لي الشيخ القاضي الكبير الشهير أبو القاسم الحسني يوما وقد جرى ذكر « حتى » التي للابتداء ، وأنّ معناها التي يقع بعدها الكلام سواء كان ذلك متعلّقا بما قبلها لم يتمّ دونه أو لا ، بل لا يكون الأمر إلّا كذلك ، قال : وقد حدّثني بعض الأصحاب أنه سمع رجلا يصلي أشفاع رمضان ، فقرأ من سورة الكهف إلى قوله تعالى ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً [ الكهف : 92 ] فوقف هنالك ، وركع وسجد ، قال : فظننت أنه نسي ما بعد ، ثمّ ركع وسجد حتى يتذكّر بعد ذلك ويعيد أول الكلام ، فلمّا قام من السجود ابتدأ القراءة بقوله حَتَّى إِذا بَلَغَ [ الكهف : 90 ] فلما أتمّ الصلاة قلت له في ذلك ، فقال : أليست حتى الابتدائية ؟ قال القاضي الشريف المذكور : فيجب أن يفهم أنّ الاصطلاح في « حتى » وفي غيرها من حروف الابتداء ما ذكر ؛ انتهى . وقال الشاطبي : أنشدني أبو محمد بن حذلم لنفسه : [ البسيط ] شأن المحبين في أشجانهم عجب * وحالتي بينهم في الحبّ أعجبها قد كنت أبعث من ريح الصّبا رسلا * تأتي فتطفىء أشواقي فتذهبها
--> ( 1 ) محمد بن يزيد : هو أبو العباس المبرد وصاحب كتاب الكامل في اللغة والأدب . ( 2 ) قيل إن البيتين لعبد الصمد بن المعذل في هجاء المبرد . وقيل : بل هما للمبرد نفسه . انظر نور القبس ص 331 .